أحمد الفاروقي السرهندي
33
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ « 1 » الآية إيماء إلى هذه المعارف فإنّ التّمثيل في هذه الآية الكريمة إنّما اختير لئلّا ينفهم ظهور ذلك النّور من غير توسّط ولئلّا يشتبه الأصل بالظّلّ وليعلم أنّ نور الظّلّ موقد مقتبس ومأخوذ من الأصل يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ « 2 » الآية الكريمة محمولة على مراد اللّه تعالى ونحن أوّلنا بتأويل كشف لنا فنقول بعون اللّه تعالى وحسن توفيقه سبحانه اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 3 » النّور هو الذي تشرق به الأشياء وتستضيء والسّموات والأرض إنّما أشرقت به تعالى فإنّه سبحانه أخرجها من ظلمات العدم وجعلها متّصفة بالوجود وتوابعه ونوّرّها ينبغي أن يتصوّر السّموات والأرض الّتي أشرقت بذلك النّور مثل المشكاة وأن يعلم ذلك النّور بمثابة المصباح الذي هو مودع في تلك المشكاة ودخول كاف التّمثيل على المشكاة لاشتمالها على المصباح وينبغي أن يلاحظ الزّجاجة حجب الأسماء والصّفات فإنّ ذلك النّور متلبّس بالأسماء والصّفات وليس بمعرّى عن الشّئون والاعتبارات وزجاجة الصّفات كأنّها كوكب درّيّ من حسن الوجوب وجمال القدم وذلك المصباح المودع في تلك المشكاة موقد من شجرة مباركة زيتونة وهي كناية عن الظهور الجامع العرشيّ الذي الاستواء رمز من ذلك الظّهور فإنّ الظّهورات الّتي تتعلّق بالسّموات والأرض بمثابة الاجزاء لذلك الظّهور الجامع وحيث كان ذلك الظّهور الجامع لا مكانيّا ولا جهتيّا جاز أن يقال إنّه لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ « 4 » صفة مادحة لتلك الشّجرة المباركة الّتي هي ممثّل بها وبيان لصفاء زيتها وتلألؤه . نُورٌ عَلى نُورٍ « 5 » يعني أنّ حجاب الزّجاجة لصفائه وإشراقه ازداد في ذلك النّور وزاد في حسنه وجماله لانّه اجتمعت كمالات الصّفات مع كمال الذّات واقترن حسن الصّفات بجمال الذّات مع وجود تضاعف النّور وكمال الظّهور . يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ « 6 » بلى مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ « 7 » وهذا الظّهور الجامع الذي انتسب إلى العرش منتهى المشاهدات والمعاينات « 8 »
--> ( 1 ) النور : 35 ( 2 ) النور : 35 ( 3 ) النور : 35 ( 4 ) النور : 35 ( 5 ) النور : 35 ( 6 ) النور : 35 ( 7 ) النور : 40 ( 8 ) - المعاينة : في اللغة : تعني المواجهة يقال : لقيتهة معاينة أي مواجهة ( لسان العرب / عين ) أما عند الصوفية فهي : عيان الحق ذاته بلا شبهة . وصورتها في البدايات : اعتقاد معاينة الحق فيى الآخرة بالبصر كما في الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام : " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " وفي الأبواب : رؤيته في صورة نورية خيالية . وفي المعاملات : اعتقاد كونه مرئيا بنور البصيرة . وفي الأخلاق : العلم بكونه وجودا خاصا ممتازا عن جميع الموجودات بكونه غير عارض لماهية بل وجوده عن حقيقته غير معقول من حيث خصوصيته . وفي الأصول : معاينة شواهد الوصول في السلوك . وفي الأودية : معاينة وجه الحق بنور